التفتازاني
16
شرح المقاصد
بعدم وقوع بعضها كانقلاب الجبل والبحر ، وهذا الشخص ، وأمثال ذلك لا ينافي إلا الإمكان الذاتي على ما سبق في صدر الكتاب . وعن الثاني بأن المتواترات أحد أقسام الضروريات ، فالقدح فيها بما ذكر مع أنه ظاهر الاندفاع لا يستحق الجواب . وأما وجه دلالتها أي وجه دلالة المعجزة على صدق الرسالة أنها عند التحقيق بمنزلة صريح التصديق لما جرت العادة به من أن اللّه تعالى يخلق عقيبها العلم الضروري بصدقه ، كما إذا قام رجل في مجلس ملك بحضور جماعة ، وادعى أنه رسول هذا الملك إليهم ، فطالبوه بالحجة ، فقال : هي أن يخالف هذا الملك عادته ويقوم عن سريره ثلاث مرات ويقعد ففعل ، فإنه يكون تصديقا له ومفيدا للعلم الضروري بصدقه من غير ارتياب . فإن قيل : هذا تمثيل وقياس للغائب على الشاهد وهو على تقدير ظهور الجامع ، إنما يعتبر في العمليات لإفادة الظن ، وقد اعتبرتموه بلا جامع لإفادة اليقين في العمليات التي هي أساس ثبوت الشرائع . على أن حصول العلم فيما ذكرتم من المثال إنما هو بشواهد من قرائن الأحوال . قلنا التمثيل إنما هو للتوضيح والتقريب دون الاستدلال ، ولا مدخل لمشاهدة القرائن في إفادة العلم الضروري لحصوله للغائبين عن هذا المجلس عند تواتر القضية إليهم ، وللحاضرين فيما إذا فرضنا الملك في بيت ليس فيه غيره ودونه حجب لا يقدر على تحريكها أحد سواه . وجعل مدعي الرسالة حجته أن الملك يحرك تلك الحجب من ساعته ففعل . فإن قيل هاهنا احتمالات تنفي الدلالة على الصدق والجزم به ، وهي أنواع : الأول : احتمال أن لا يكون ذلك الأمر من اللّه تعالى ، بل يستند إلى المدعي بخاصية في نفسه ، أو مزاج في بدنه ، أو لاطلاع منه على خواص في بعض الأجسام يتخذها ذريعة « 1 » إلى ذلك ، أو يستند إلى بعض الملائكة أو الجن ، أو إلى اتصالات كوكبية وأوضاع فلكية ، لا يطلع عليها غيره ، إلى غير ذلك من الأسباب
--> ( 1 ) في ( ب ) وسيلة بدلا من ( ذريعة )